فخر الدين الرازي

127

تفسير الرازي

فنبتدرهم بأبصارنا ما من نبي إلا ويرجو أن تكون أمته فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء فأقول : أمتي ورب الكعبة ، فيدخلون الجنة بغير حساب ، ثم يرفع لنا ثلاثة أمثال ما قد رفع فنبتدرهم ، وذكر كما ذكر في المرة الأولى والثانية ، ثم قال : * ( ليدخلن ) * ثلاث فرق من أمتي الجنة قبل أن يدخلها أحد من الناس " ولقد قال عليه الصلاة والسلام : " تناكحوا تناسلوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ، ولو بالسقط " فإذا كان يباهي بمن لم يبلغ حد التكليف ، فكيف بمثل هذا الجم الغفير ، فلا جرم حسن منه تعالى أن يذكره هذه النعمة الجسيمة فقال : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * القول التاسع : * ( الكوثر ) * الفضائل الكثيرة التي فيه ، فإنه باتفاق الأمة أفضل من جميع الأنبياء ، قال المفضل بن سلمة : يقال رجل كوثر إذا كان سخياً كثير الخير ، وفي صحاح اللغة : * ( الكوثر ) * السيد الكثير الخير ، فلما رزق الله تعالى أن يذكره تلك النعمة الجسيمة فيقول : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * القول العاشر : الكوثر رفعة الذكر ، وقد مر تفسيره في قوله : * ( ورفعنا لك ذكرك ) * القول الحادي عشر : أنه العلم قالوا : وحمل الكوثر على هذا أولى لوجوه أحدها : أن العلم هو الخير الكثير قال : * ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ) * وأمره بطلب العلم ، فقال : * ( وقل رب زدني علماً ) * وسمي الحكمة خيراً كثيراً ، فقال : * ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) * وثانيها : أنا إما أن نحمل الكوثر على نعم الآخرة ، أو على نعم الدنيا ، والأول غير جائز لأنه قال : أعطينا ، ونعم الجنة سيعطيها لا أنه أعطاها ، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه في الدنيا ، وأشرف الأمور الواصلة إليه في الدنيا هو العلم والنبوة داخلة في العلم ، فوجب حمل اللفظ على العلم وثالثها : أنه لما قال : * ( أعطيناك الكوثر ) * قال عقيبه : * ( فصل لربك وانحر ) * والشيء الذي يكون متقدماً على العبادة هو المعرفة ، ولذلك قال في سورة النحل : * ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) * وقال في طه : * ( إنني أنا الله لا إله إل أنا فاعبدني ) * فقدم في السورتين المعرفة على العبادة ، ولأن فاء الموجب للعبادة ليس إلا العلم ، القول الثاني عشر : أن الكوثر هو الخلق الحسن ، قالوا : الانتفاع بالخلق الحسن عام ينتفع به العالم والجاهل والبهيمة والعاقل ، فأما الانتفاع بالعلم ، فهو مختص بالعقلاء ، فكان نفع الخلق الحسن أعم ، فوجب حمل الكوثر عليه ، ولقد كان عليه السلام كذلك كان للأجانب كالوالد يحل عقدهم ويكفي مهمهم ، وبلغ حسن خلقه إلى أنهم لما كسروا سنه ، قال : " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " القول الثالث عشر : الكوثر هو المقام المحمود الذي هو الشفاعة ، فقال في الدنيا : * ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) * وقال في الآخرة : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " وعن أبي هريرة قال عليه السلام : " إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة " القول الرابع عشر : أن المراد من الكوثر هو هذه السورة ، قال : وذلك لأنها مع